16 décembre 2006

ملاحظات على تقرير 50 سنة للتنمية البشرية بالمغرب وآفاق 2025

عرفت الآونة الأخيرة صدور تقريرين حيويين لمستقبل المغرب على المدى القريب والبعيد، يتعلق الأول بتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة، والثاني بتقرير خمسين سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق 2025. فما يمكن أن يسجله المرء في الوهلة الأولى وبكل ارتياح، هو النقاش العام من قبل جميع مكونات المجتمع المغربي الذي فتح حول هذين التقريرين، وهذا في حد ذاته يعتبر مسألة إيجابية لا يمكن الاستهانة بها، بالنظر للمواضيع والقضايا المطروحة، التي يتم التداول فيها وتبادل الآراء حولها، والتكامل في الأفكار والمشاركة الجماعية البناءة بالاختلاف في التحاليل والتقييمات (والاختلاف رحمة)، فالمرحلة حاسمة إما سنرهن مستقبل المغرب للوراء وبالتالي التراجع، أو سنفتح له آمال التفوق والتقدم والسير على طريق التنمية المستديمة. سوف نكتفي في هذا المقال بإبراز وتسجيل بعض الملاحظات العامة البناءة حول تقرير التنمية البشرية الذي انخرط في إعداده ما يفوق مائة من الكفاءات الجامعية والإدارية وفعاليات المجتمع المدني موزعين حسب هيكلة مضبوطة، بقيادة عبد العزيز مزيان بلفقيه، تضم للجنة المديرية، اللجنة العلمية، مجموعات العمل الموضوعاتية، وفريقا للتحرير. أولا وقبل كل شيء يجب أن لا يغيب عن الأذهان، أن طلب إعداد هذا التقرير/المشروع الذي يتخذ التنمية البشرية كمحور أساسي خلال الخمسين سنة الماضية بالمغرب واستشراف آفاقها على مدى العشرين سنة المقبلة، نابع من إرادة سياسية لأعلى سلطة في البلاد الملك محمد السادس، وكان ذلك منذ 3 سنوات في خطاب له بمناسبة ذكرى 20 غشت 2003، ثورة الملك والشعب لانطلاقة هذا المشروع الجماعي للدراسة. ثانيا كل قارئ للتقرير لابد أن يلاحظ بشكل جلي، المنهجية العلمية المتبعة التي تحكمت في الفريق المكلف بإعداده، وسيلمس الموضوعية والاستقلال العلمي والحياد المعرفي في التحليلات والتقييم لمسار التنمية بالمغرب وآفاقها، ويظهر من خلال التقرير، ولأول مرة في تاريخ المغرب الجرأة والشجاعة في توجيه النقد للحظات التي أخطا المغرب فيها وعرف التعثر وللفترات التي حقق فيها النجاح والتقدم، لأجل استخلاص الدروس والعبر. ثالثا أن القبول بنشر التقرير والاقتناع المبدئي بجعله مادة للنقاش العمومي يشرك الجميع، يعتبر سابقة وقفزة نوعية في الإشراك والمشاركة لكافة فعاليات المجتمع المغربي، لذلك أكد التقرير أن دوافع هذا النقاش ترتكز على ثلاثة أسباب، أولها أن مصير بلادنا يوجد بين أيدينا، والنقاش العمومي لا يقدر بثمن وأخيرا الممارسة الديمقراطية الموطدة هي وحدها التي يمكن أن توجه بلادنا نحو السير الثابت على طريق النجاح. رابعا إن المتمعن للفريق المساهم في إعداد التقرير سيجد كفاءات جامعية وطاقات إدارية وفعاليات من المجتمع المدني من الوزن الكبير في ميادينها والعيار الثقيل في مجال البحث العلمي والمعرفي ونذكر على سبيل المثال محمد الطوزي، عمر اعزيمان، أحمد التوفيق، محمد كسوس، إدريس بنهيمة، عبدالعظيم الحافي، رحمة بورقية، حفيظ بوطالب، محمد الصغير جنجار، عبد الحي المودن، محمد برقاوي، أحمد حرزني، وجيه المعزوزي، رشيد بلمختار، محمد بردوزي، نورالدين العوفي وسلمى الزرهوني... فعملية إشراك الدولة وإتاحة الفرصة لعدد كبير من النخب المغربية في إعداد تقرير التنمية البشرية دليل قاطع لإعادة الاعتبار للجانب المعرفي والثقافي والعلوم الإنسانية، وفسح المجال للنخب لتضطلع بأدوارها الأساسية في تحديد الاختيارات المناسبة وإحداث التغيرات المجتمعية المطلوبة. خامسا لقد جاء تقرير التنمية البشرية منسجما مع تطور مفهوم التنمية البشرية سنة 1990 المتبنى من برنامج الأمم المتحدة للإنماء، بحيث أصبح فيه الإنسان هو صانع التنمية وهدفها، وبالتالي يقوم هذا المفهوم على " إن البشر هم الثروة الحقيقة للأمم، وأن التنمية البشرية هي عملية توسيع خيارات البشر"، فالتنمية البشرية في حقيقة الأمر لا تقف عند تكوين القدرات والمدارك البشرية، وتحسين الصحة وتطوير المعرفة وضمان التربية والتعليم الجيد وتوفير السكن الكريم بل تتعدى وتمتد إلى أبعد من ذلك، فمن الواجب تهييئ الشروط الملاءمة للمشاركة الفعلية والفاعلة في الأنشطة الاقتصادية السياسية الثقافية والاجتماعية كما يلزم توفير الظروف المناسبة للإنسان لقضاء وقت الفراغ لاسترجاع قوته وحيويته واحترام حق الذات، وحقوق الإنسان، لأن التنمية الشاملة والمتكاملة تنبني أولا وأخيرا على التنمية البشرية. سادسا لقد صنفت الأمم المتحدة العالم حسب مقاييس يمكن إجمالها في أربع حالات: عالم متقدم اقتصاديا وبشريا، عالم متقدم بشريا ومتخلف اقتصاديا، عالم متقدم بشريا وفي طريق التقدم الاقتصادي، عالم متخلف اقتصاديا وبشريا، ولقد أكد تقرير التنمية البشرية الخمسيني للمغرب على أن إرساء مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة أضحى اليوم ضرورة قصوى في إطار المنافسة الدولية والانفتاح الاقتصادي وعولمة التبادلات، ونادى التقرير بتدارك القصور الدال في مجال إنتاج المعرفة وولوجها ونشرها في كل أشكالها انطلاقا من التربية والتكوين ومحو الأمية إلى الإنتاج الثقافي ونشر المعارف الضمنية والبحث العلمي والابتكار، وأقر بشكل واضح على أن الاقتصاد المغربي حقق على مدى خمسة عقود الفارطة نتائج باهتة، أما فيما يخص بعض الجوانب كان التقدم ملحوظا، حيث تم بناء أسس اقتصاد عصري في إطار تحكم تدريجي في التوازنات الماكرو_الاقتصادية والتضخم وفي المقابل، فإن تواضع مستوى النمو وعدم استقراره أعاق بشكل كبير التنمية البشرية بالبلاد.

Posté par mouhaya à 16:42 - Commentaires [0] - Permalien [#]


Commentaires sur ملاحظات على تقرير 50 سنة للتنمية البشرية بالمغرب

Nouveau commentaire